لا تزال الصياغة الأمريكية للقرن الحادي والعشرين بوصفه "قرناً أمريكياً جديداً" تُردّد في دهاليز واشنطن، بينما تُقدّم الوقائع الاقتصادية والصناعية سرديةً مغايرة بشكل مذهل: فالصين باتت القوة الصناعية الأولى في العالم بلا منازع. تُنتج اليوم أكثر مما تنتجه الولايات المتحدة والألمانية وكوريا الجنوبية واليابان مجتمعةً في كثير من القطاعات الكبرى، من الفولاذ والإسمنت إلى الطائرات المسيّرة وسفن الحاويات والألواح الشمسية وبطاريات السيارات الكهربائية.
لم يكن هذا الصعود صدفةً أو هبةً من السماء: بل كان نتيجة خطط صناعية متتالية وسياسة دولة تُوجّه الاقتصاد نحو أهداف استراتيجية بدقة، منذ برامج التصنيع الأولى في الخمسينيات مروراً بـ"مصنع العالم" في التسعينيات وحتى "صنع في الصين 2025" في زمننا الراهن.
الأرقام التي تحكي قصة الهيمنة الصناعية الصينية
الأرقام المتعلقة بالإنتاج الصيني تبلغ حدّ الإدهاش. ففي صناعة السفن: بنت الصين عام 2023 ما يزيد على 55% من إجمالي الحمولة العالمية الجديدة من سفن الشحن، مقارنةً بـ32% لكوريا الجنوبية و17% لليابان، فيما بلغت حصة الولايات المتحدة أقل من 1%. وفي صناعة الطائرات المسيّرة: تسيطر الصين على 70-80% من سوق الطائرات المسيّرة التجارية العالمية، بقيادة شركة DJI وحدها التي تحتل 70% من السوق العالمي. وفي الرقائق الإلكترونية: رغم العقوبات الأمريكية، ضاعفت الصين طاقتها في إنتاج الرقائق الناضجة (28-45 نانومتر) وتسعى للاكتفاء الذاتي في إنتاج الرقائق المتقدمة.
📊 الهيمنة الصناعية الصينية: أرقام 2024
• الفولاذ: 1.1 مليار طن (54% من الإنتاج العالمي). • الألمنيوم: 40 مليون طن (57% من الإنتاج العالمي). • السيارات الكهربائية: 9 ملايين سيارة (59% من المبيعات العالمية). • الألواح الشمسية: 80% من الإنتاج العالمي. • بطاريات الليثيوم: 75% من الطاقة الإنتاجية العالمية. • حاويات الشحن: 96% من الإنتاج العالمي!
كيف أصبحت الصين "مصنع العالم"؟ مراحل الصعود
مرّ الصعود الصناعي الصيني بثلاث مراحل كبرى: المرحلة الأولى (1978-2001): انطلاق إصلاحات دنغ شياو بينغ التي فتحت المناطق الاقتصادية الخاصة لجذب الاستثمار الأجنبي. صارت الصين ورشةً كبرى للمنتجات كثيفة العمالة: النسيج والألعاب والإلكترونيات البسيطة. المرحلة الثانية (2001-2015): انضمام الصين لمنظمة التجارة العالمية يُطلق طاقتها التصديرية. تُستوعب التقنيات الغربية والكورية واليابانية في صناعات السيارات والفولاذ والصناعة الثقيلة. المرحلة الثالثة (2015-الآن): إطلاق "صنع في الصين 2025" لاستهداف القطاعات التكنولوجية المتقدمة: الجيل الخامس، الطائرات، أشباه الموصلات، الذكاء الاصطناعي، المركبات المستقلة.
تفوق في قطاعين استراتيجيين: السفن والطائرات
تعكس السيطرة الصينية على صناعة السفن قفزةً نوعية مذهلة: من صفر تقريباً قبل عقدين إلى القيادة العالمية اليوم. أما في الطائرات، فلا تزال الصين تُصنّع طائراتها العسكرية بالكامل (J-20 الشبحي، J-35 للحاملات)، وتُطوّر طائرتها المدنية الكبرى C919 كمنافس لبوينغ وإيرباص، وإن ظلّت تعتمد على محركات غربية في المرحلة الراهنة.
ثورة الطائرات المسيّرة: حيث تتربّع بكين على العرش
لا ميدان يُجسّد الهيمنة الصينية كما يُجسّده سوق الطائرات المسيّرة. شركة DJI الصينية تُنتج وحدها ما يُقارب 70% من الطائرات المسيّرة التجارية في العالم، وهو ما يُثير قلقاً أمنياً بالغاً لدى واشنطن (حظر استخدام DJI في الوكالات الفيدرالية الأمريكية). وعلى الصعيد العسكري، ضخّت الصين آلاف الطائرات المسيّرة الهجومية في ترسانتها وهي تُصدّرها إلى عشرات الدول.
ماذا يعني هذا للعالم والعالم العربي؟
للهيمنة الصناعية الصينية تداعيات بعيدة الأثر: أولاً، على الاقتصاد العالمي: إغراق الأسواق العالمية بالمنتجات الصينية الرخيصة يُدمّر صناعات بأسرها في الدول النامية والمتقدمة على حدٍّ سواء. ثانياً، على السلاسل الصناعية الدولية: اعتمادها الكامل يُحوّل الصين أداةً للضغط الجيوسياسي في أي نزاع. ثالثاً، على العالم العربي: غرق أسواقه بالبضائع الصينية وتجميد صناعاته المحلية الوليدة، مع فرص استثمارية في البنية التحتية قد تُثقل كاهله بالديون.
السيناريو الأكثر ترجيحاً
الأرجح خلال العقد القادم أن تُعمّق الصين هيمنتها على الصناعات التقليدية والسيارات الكهربائية والطاقة المتجددة، بينما تُصعّد التوترات مع الغرب في قطاعات الرقائق والذكاء الاصطناعي والمركبات الجوية. الردود الحمائية الغربية (رسوم إضافية، قيود الاستثمار) ستُبطئ لكنها لن توقف الصعود الصيني في معظم القطاعات.
الثغرة الحقيقية في الهيمنة الصناعية الصينية تبقى في قطاع الرقائق المتقدمة التي لا تزال تعتمد فيها على التكنولوجيا الغربية واليابانية. كيفية معالجة هذا الخناق ستُحدد إلى حدٍّ بعيد مدى تحوّل الصين من قوة صناعية إلى قوة تقنية متكاملة.
النشرة الأسبوعية — مجاناً
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أسبوع في بريدك الإلكتروني. انضم إلى أكثر من 15,000 قارئ.