نشرت "العين الإخبارية"، الموقع الإخباري الإماراتي، إنفوغرافيكاً بعنوان "إيران وإخوان السودان: مسارات الموت بوساطة حوثية"، يصوّر ما يصفه بشبكة تهريب تقنية عسكرية إيرانية، عبر الحوثيين في اليمن، إلى جماعات مسلحة في السودان. الإنفوغرافيك حصد تفاعلاً محدوداً على صفحة الموقع على فيسبوك، لكنه يستحق وقفة تحليلية أوسع، لا بصفته خبراً عابراً، بل بصفته نموذجاً لكيفية تركيب السرديات البصرية في إعلام إقليمي مرتبط بتمويل حكومي معلن.
"حين تُستهلك السرديات البصرية دون تمحيص، تتحول بسرعة إلى 'معرفة جاهزة' قد تُبنى عليها مواقف سياسية، حتى لو غاب السند القابل للتحقق." قراءة نقدية في آليات تشكيل الرأي العام الإقليمي - 2026
ماذا يقول الإنفوغرافيك بالضبط؟
يعرض المنشور، الذي يحمل توقيع "العين الإخبارية" وشعارها الموثّق على فيسبوك، عنواناً رئيسياً هو "إيران وإخوان السودان: مسارات الموت بوساطة حوثية"، وعنواناً فرعياً يفيد بأن "الحوثي يهرّب تكنولوجيا عسكرية إيرانية لجماعات مسلحة بالسودان"، شملت طائرات مسيّرة وصواريخ. يتضمن التصميم قائمة بـ"تداعيات تتزامن مع" هذا المسار، من تصاعد استخدام المسيّرات في حرب السودان إلى تحذيرات أممية من تزايد القتل عبرها، إضافة إلى زعم بتغلغل "إخوانيين" داخل الجيش السوداني ودعمهم في جبهات القتال.
كما يحدد الإنفوغرافيك "طرق تهريب" مفترضة عبر القرن الأفريقي والبحر الأحمر، و"نقاط عبور محتملة" قرب جزر قريبة من السواحل الإريترية، تحت عنوان "تحالف مشبوه" يجمع توقيفاً أمريكياً مزعوماً لإيرانيين بتهمة تهريب أسلحة لصالح الجيش السوداني، وقيادات إخوانية وضباطاً بالجيش "دعوا إيران" في الحرب الأخيرة، وتقارير غربية لم تُسمَّ تحدثت عن دعم عسكري إيراني لقوات البرهان.
ما الذي يثبته التصميم، وما الذي يفترضه فقط؟
من الناحية المنهجية البحتة، يستحق هذا المحتوى تفكيكاً بين ما هو موثّق فعلياً في مصادر مفتوحة، وما هو افتراض أو ربط غير مُسنَد بمصدر يمكن تتبّعه داخل التصميم نفسه. الإنفوغرافيك لا يتضمن أي رابط لتقرير أممي محدد، ولا اسم جهة الضبط الأمريكية المزعومة، ولا تاريخاً دقيقاً لعملية التوقيف المشار إليها، ولا أسماء "القيادات الإخوانية" أو "الضباط" الذين يُفترض أنهم دعوا إيران للتدخل.
⚠️ الفجوة بين العنوان والمصدر
هذا لا يعني بالضرورة أن كل عنصر في الإنفوغرافيك ملفّق؛ فبعض عناصره تتقاطع مع ما تناولته تقارير أخرى مستقلة، من بينها تقرير لشبكة فوكس نيوز الأمريكية تناولته وسائل إعلام عربية أخرى حول دور الطائرات المسيّرة الإيرانية في الصراع السوداني، وتحليلات نشرتها منافذ مختلفة عن تقارب بين بعض الشخصيات المحسوبة على التيار الإسلامي في السودان والخطاب الإيراني.
لكن المسافة بين "وجود تقارير تناولت جزءاً من القصة" وبين "تصميم بصري يقدّم شبكة متكاملة ومؤكدة بثقة تامة" هي بالضبط المساحة التي يستحق فيها أي قارئ ناقد التوقف. فالعنصر الحقيقي لا يثبت بالضرورة صحة البناء الكامل الذي يُضاف إليه.
العين الإخبارية: ما هو موثّق فعلياً عن الموقع؟
قبل تحليل المحتوى، من المفيد التوقف عند هوية الناشر، بالاستناد إلى معلومات معلنة وموثّقة لا إلى تخمين. أُطلقت "العين الإخبارية" في 4 نوفمبر 2015، خلال منتدى الإعلام الإماراتي، على يد الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات ورئيس مجلس الوزراء وحاكم دبي، بحضور مسؤولين أمنيين رفيعين. يقع مقرها في أبوظبي، وهي علامة تابعة لشركة استثمارات إعلامية مقرها الرئيسي في العاصمة الإماراتية، وتغطي محتوى بعدة لغات منها الفارسية والتركية، ما يعكس استهدافاً واضحاً لجمهور إقليمي متعدد.
هذه الحقائق، بصفتها معلومات مؤسسية معلنة من الموقع نفسه ومن مصادر مستقلة، لا تعني تلقائياً أن كل ما ينشره الموقع غير دقيق أو موجَّه. فالعديد من وسائل الإعلام الكبرى حول العالم، من القناة البريطانية الرسمية إلى الإذاعات الممولة من دول أخرى، تحمل تمويلاً حكومياً معلناً دون أن يعني ذلك بالضرورة انعدام أي قيمة مهنية في تقاريرها. لكن الشفافية بشأن مصدر التمويل والجهة المؤسسة تبقى عنصراً أساسياً يحتاجه القارئ ليُقيّم أي محتوى إخباري بموضوعية، خصوصاً حين يتعلق الأمر بقضايا صراع إقليمي حساسة.
السردية في سياق أوسع: ليست منشوراً معزولاً
من المهم التذكير بأن الادعاء الأساسي في هذا الإنفوغرافيك، أي وجود علاقة بين إيران وشخصيات محسوبة على التيار الإسلامي في السودان، لم يظهر فقط في هذا المنشور. فقد تطرّقت إليه منافذ إعلامية أخرى بصيغ متفاوتة، من تقرير لشبكة فوكس نيوز الأمريكية تناول تصاعد دور الطائرات المسيّرة الإيرانية في النزاع السوداني، إلى تحليلات نشرتها مواقع عربية مختلفة عن تقارب في الخطاب بين شخصيات إخوانية سودانية والأجندة الإيرانية.
🔍 لماذا هذا التفصيل مهم؟
هذا لا يثبت بالضرورة دقة كل تفصيل في إنفوغرافيك "العين"، لكنه يُسقط الافتراض القائل بأن القصة بأكملها "اختراع منعزل بلا أي صدى خارجي". الأدق أن نقول إن هناك عنصر حقيقة جزئي يتقاطع مع تقارير أخرى، لكن الإنفوغرافيك يضيف إليه طبقات من التأكيد والتفصيل (أسماء جهات، توقيفات، عمليات تهريب محددة) لا تتوفر لها مصادر يمكن للقارئ تتبّعها بشكل مباشر داخل المنشور نفسه.
هذا التمييز بالغ الأهمية منهجياً: الخطر الحقيقي في هذا النوع من المحتوى لا يكمن في "اختراع من العدم"، بل في تقنية أكثر دقة وأصعب كشفاً، وهي أخذ عناصر حقيقية أو متداولة جزئياً، وتجميعها في بناء بصري متكامل يبدو موثقاً بفعل الثقة والتفصيل الظاهري، أكثر مما هو موثّق بفعل وجود مصادر يمكن التحقق منها فعلياً. التصميم البصري نفسه، من الألوان الحمراء الحادة إلى رمزية "البوابة" و"المثلث" الذي يربط بين عناصر التهريب، يعمل كأداة لترسيخ انطباع اليقين، بصرف النظر عن درجة اليقين الفعلية في المعطيات.
سؤال أوسع: ماذا يعني تمويل الدولة للإعلام؟
الإنفوغرافيك موضوع هذا التحليل ليس حالة فريدة، بل مثال واحد على ظاهرة إقليمية أوسع: انتشار منافذ إخبارية رقمية ممولة بشكل مباشر أو غير مباشر من دول الخليج، تتنافس فيما بينها، وأحياناً مع منافذ إيرانية أو تركية أو قطرية، على تشكيل السردية المهيمنة حول صراعات المنطقة. هذا التنافس ليس حكراً على طرف واحد؛ فمنافذ مرتبطة بأطراف متعددة في هذه النزاعات تستخدم تقنيات بصرية ولغوية مشابهة، من اختيار مصطلحات تحمل حكماً مسبقاً، إلى تصاميم تُضخّم الشعور بالتهديد بصرف النظر عن دقة المحتوى.
🎨 التصميم كأداة إقناع
الألوان الحادة والرموز البصرية القاتمة لا تضيف معلومة، بل تصنع انطباعاً نفسياً قد يسبق أي تقييم عقلاني للمحتوى.
📝 اللغة كحكم مسبق
مصطلحات مثل "مسارات الموت" أو "تحالف مشبوه" تحمل تجريماً ضمنياً قبل تقديم أي دليل قابل للتحقق منه بشكل مستقل.
🔗 الجسر بين النقاط الحقيقية
الخطر الأكبر ليس في اختراع الكذب الكامل، بل في الربط بين معطيات حقيقية متفرقة بخيوط استنتاجية غير مُسنَدة بمصدر مباشر.
🌍 معركة سرديات متعددة الأطراف
منافذ مرتبطة بأطراف نزاع متعددة، لا بطرف واحد، تستخدم تقنيات مشابهة، ما يجعل القراءة النقدية المتساوية ضرورة لا اختياراً.
لقارئ يتابع المنطقة، خصوصاً من خارجها، عبر ترجمات وتقارير ثانوية، يصبح هذا التمييز حاسماً. فالمحتوى البصري الجذاب، الممول بسخاء، والمتوفر بلغات متعددة، قد يبدو مصدراً موثوقاً لمجرد جودة إنتاجه، بينما يبقى السؤال الجوهري دائماً: ما الذي يمكن تتبّعه فعلياً إلى مصدر أولي قابل للتحقق، وما الذي يُقدَّم كحقيقة مكتملة لمجرد أنه مرسوم وموثَّق بثقة بصرية عالية؟
إنفوغرافيك "إيران وإخوان السودان" ليس دليلاً قاطعاً على فبركة شاملة، ولا هو وثيقة موثّقة بالمعنى الصحفي الصارم. هو نموذج وسيط: يبني على عناصر تتقاطع جزئياً مع تقارير أخرى مستقلة، لكنه يقدّمها بثقة تتجاوز ما يسمح به المتاح من مصادر قابلة للتتبّع داخل المنشور نفسه.
الموقف المسؤول حيال هذا النوع من المحتوى ليس تصديقه كاملاً، ولا رفضه كاملاً بدعوى الجهة الناشرة، بل مساءلته بالمعيار نفسه الذي يجب تطبيقه على أي مصدر آخر: من المصدر الأولي؟ ما الذي يمكن التحقق منه بشكل مستقل؟ وما الذي يبقى استنتاجاً يحتاج إلى مزيد من الأدلة قبل أن يُعامَل كحقيقة ثابتة؟
📬 النشرة الأسبوعية - مجاناً
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك.
بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت